فصل: فصل: لو صالح عن دار أو عبد بعوض فوجد العوض مستحقًا أو حرًا رجع في الدار

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


فصل‏:‏

وإذا صالحه على المؤجل ببعضه حالا لم يجز كرهه زيد بن ثابت وابن عمر ـ وقال‏:‏ نهى عمر أن تباع العين بالدين وسعيد بن المسيب والقاسم وسالم‏,‏ والحسن والشعبي ومالك‏,‏ والشافعي والثوري وابن عيينة‏,‏ وهشيم وأبو حنيفة وإسحاق وروي عن ابن عباس‏,‏ والنخعي وابن سيرين أنه لا بأس به وعن الحسن وابن سيرين‏,‏ أنهما كانا لا يريان بأسا بالعروض أن يأخذها من حقه قبل محله لأنهما تبايعا العروض بما في الذمة فصح كما لو اشتراها بثمن مثلها ولعل ابن سيرين يحتج بأن التعجيل جائز والإسقاط وحده جائز فجاز الجمع بينهما‏,‏ كما لو فعلا ذلك من غير مواطأة عليه ولنا أنه يبذل القدر الذي يحطه عوضا عن تعجيل ما في ذمته وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز‏,‏ كما لا يجوز أن يعطيه عشرة حالة بعشرين مؤجلة ولأنه يبيعه عشرة بعشرين فلم يجز كما لو كانت معيبة‏,‏ ويفارق ما إذا كان من غير مواطأة ولا عقد لأن كل واحد منهما متبرع ببذل حقه من غير عوض ولا يلزم من جواز ذلك جوازه في العقد أو مع الشركة كبيع درهم بدرهمين ويفارق ما إذا اشترى العروض بثمن مثلها لأنه لم يأخذ عن الحلول عوضا فأما إن صالحه عن ألف حالة بنصفها مؤجلا‏,‏ فإن فعل ذلك اختيارا منه وتبرعا به صح الإسقاط‏,‏ ولم يلزم التأجيل لأن الحال لا يتأجل بالتأجيل على ما ذكرنا فيما مضى والإسقاط صحيح وإن فعله لمنعه من حقه بدونه‏,‏ أو شرط ذلك في الوفاء لم يسقط شيء أيضا على ما ذكرنا في أول الباب وذكر أبو الخطاب في هذا روايتين أصحهما لا يصح وما ذكرنا من التفصيل أولى ـ إن شاء الله تعالى ـ ‏.‏

فصل‏:‏

ويصح الصلح عن المجهول سواء كان عينا أو دينا إذا كان مما لا سبيل إلى معرفته قال أحمد في الرجل يصالح على الشيء‏,‏ فإن علم أنه أكثر منه لم يجز إلا أن يوقفه عليه إلا أن يكون مجهولا لا يدرى ما هو‏,‏ ونقل عنه عبد الله إذا اختلط قفيز حنطة بقفيز شعير وطحنا‏,‏ فإن عرف قيمة دقيق الحنطة ودقيق الشعير بيع هذا وأعطى كل واحد منهما قيمة ماله‏,‏ إلا أن يصطلحا على شيء ويتحالا وقال ابن أبي موسى‏:‏ الصلح الجائز هو صلح الزوجة من صداقها الذي لا بينة لها به ولا علم لها ولا للورثة بمبلغه‏,‏ وكذلك الرجلان يكون بينهما المعاملة والحساب الذي قد مضى عليه الزمان الطويل لا علم لكل واحد منهما بما عليه لصاحبه فيجوز الصلح‏,‏ بينهما وكذلك من عليه حق لا علم له بقدره جاز أن يصالح عليه‏,‏ وسواء كان صاحب الحق يعلم قدر حقه ولا بينة له أو لا علم له ويقول القابض‏:‏ إن كان لي عليك حق فأنت في حل منه ويقول الدافع‏:‏ إن كنت أخذت مني أكثر من حقك فأنت منه في حل وقال الشافعي‏:‏ لا يصح الصلح على مجهول لأنه فرع البيع ولا يصح البيع على مجهول ولنا‏,‏ ما روى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال في رجلين اختصما في مواريث درست‏:‏ ‏(‏استهما وتوخيا وليحلل أحدكما صاحبه‏)‏ وهذا صلح على المجهول ولأنه إسقاط حق‏,‏ فصح في المجهول كالعتاق والطلاق ولأنه إذا صح الصلح مع العلم‏,‏ وإمكان أداء الحق بعينه فلأن يصح مع الجهل أولى وذلك لأنه إذا كان معلوما فلهما طريق إلى التخلص وبراءة أحدهما من صاحبه بدونه‏,‏ ومع الجهل لا يمكن ذلك فلو لم يجز الصلح أفضى إلى ضياع المال على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه ولا نسلم كونه بيعا‏,‏ ولا فرع بيع وإنما هو إبراء وإن سلمنا كونه بيعا فإنه يصح في المجهول عند الحاجة بدليل بيع أساسات الحيطان‏,‏ وطي الآبار وما مأكوله في جوفه ولو أتلف رجل صبرة طعام لا يعلم قدرها‏,‏ فقال صاحب الطعام لمتلفه‏:‏ بعتك الطعام الذي في ذمتك بهذه الدراهم أو بهذا الثوب صح إذا ثبت هذا فإن كان العوض في الصلح مما لا يحتاج إلى تسليمه‏,‏ ولا سبيل إلى معرفته كالمختصمين في مواريث دارسة وحقوق سالفة‏,‏ أو عين من المال لا يعلم كل واحد منهما قدر حقه منها صح الصلح مع الجهالة من الجانبين لما ذكرناه من الخبر والمعنى وإن كان مما يحتاج إلى تسليمه لم يجز مع الجهالة‏,‏ ولا بد من كونه معلوما لأن تسليمه واجب والجهالة تمنع التسليم وتفضي إلى التنازع‏,‏ فلا يحصل مقصود الصلح

فصل‏:‏

فأما ما يمكنهما معرفته كتركة موجودة أو يعلمه الذي هو عليه‏,‏ ويجهله صاحبه فلا يصح الصلح عليه مع الجهل قال أحمد‏:‏ إن صولحت امرأة من ثمنها لم يصح واحتج بقول شريح‏:‏ أيما امرأة صولحت من ثمنها‏,‏ لم يتبين لها ما ترك زوجها فهي الريبة كلها قال‏:‏ وإن ورث قوم مالا ودورا وغير ذلك فقالوا لبعضهم‏:‏ نخرجك من الميراث بألف درهم أكره ذلك‏,‏ ولا يشتري منها شيء وهي لا تعلم لعلها تظن أنه قليل وهو يعلم أنه كثير ولا يشتري حتى تعرفه وتعلم ما هو‏,‏ وإنما يصالح الرجل الرجل على الشيء لا يعرفه ولا يدري ما هو حساب بينهما فيصالحه‏,‏ أو يكون رجل يعلم ماله على رجل والآخر لا يعلمه فيصالحه فأما إذا علم فلم يصالحه إنما يريد أن يهضم حقه ويذهب به وذلك لأن الصلح إنما جاز مع الجهالة‏,‏ للحاجة إليه لإبراء الذمم وإزالة الخصام فمع إمكان العلم لا حاجة إلى الصلح مع الجهالة‏,‏ فلم يصح كالبيع‏.‏

فصل‏:‏

ويصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه سواء كان مما يجوز بيعه أو لا يجوز فيصح عن دم العمد وسكنى الدار‏,‏ وعيب المبيع ومتى صالح عما يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقل جاز وقد روي أن الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات فأبى أن يقبلها ولأن المال غير متعين‏,‏ فلا يقع العوض في مقابلته فأما إن صالح عن قتل الخطأ بأكثر من ديته من جنسها لم يجز وكذلك لو أتلف عبدا أو شيئا غيره فصالح عنه بأكثر من قيمته من جنسها‏,‏ لم يجز وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ يجوز لأنه يأخذ عوضا عن المتلف فجاز أن يأخذ أكثر من قيمته كما لو باعه بذلك ولنا‏,‏ أن الدية والقيمة ثبتت في الذمة مقدرة فلم يجز أن يصالح عنها بأكثر منها من جنسها كالثابتة عن قرض أو ثمن مبيع‏,‏ ولأنه إذا أخذ أكثر منها فقد أخذ حقه وزيادة لا مقابل لها فيكون أكل مال بالباطل فأما إن صالحه على غير جنسها بأكثر قيمة منها‏,‏ جاز لأنه بيع ويجوز أن يشتري الشيء بأكثر من قيمته أو أقل‏.‏

فصل‏:‏

ولو صالح عن المائة الثابتة في الذمة بالإتلاف بمائة مؤجلة‏,‏ لم يجز وكانت حالة وبهذا قال الشافعي وعن أحمد يجوز وهو قول أبي حنيفة لأنه عاوض عن المتلف بمائة مؤجلة فجاز كما لو باعه إياه ولنا أنه إنما يستحق عليه قيمة المتلف وهو مائة حالة‏,‏ الحال لا يتأجل بالتأجيل وإن جعلناه بيعا فهو بيع دين بدين وبيع الدين بالدين غير جائز‏.‏

فصل‏:‏

ولو صالح عن القصاص بعبد‏,‏ فخرج مستحقا رجع بقيمته في قولهم جميعا وإن خرج حرا فكذلك وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة‏:‏ يرجع بالدية لأن الصلح فاسد فيرجع ببذل ما صالح عنه‏,‏ وهو الدية ولنا أنه تعذر تسليم ما جعله عوضا فرجع في قيمته‏,‏ كما لو خرج مستحقا‏.‏

فصل‏:‏

ولو صالح عن دار أو عبد بعوض فوجد العوض مستحقا أو حرا رجع في الدار وما صالح عنه‏,‏ أو بقيمته إن كان تالفا لأن الصلح ها هنا بيع في الحقيقة فإذا تبين أن العوض كان مستحقا أو حرا كان البيع فاسدا فرجع فيما كان له‏,‏ بخلاف الصلح عن القصاص فإنه ليس ببيع وإنما يأخذ عوضا عن إسقاط القصاص ولو اشترى شيئا فوجده معيبا فصالحه عنه بعبد‏,‏ فبان مستحقا أو حرا رجع بأرش العيب ولو كان البائع امرأة فزوجته نفسها عوضا عن أرش العيب‏,‏ فزال العيب رجعت بأرشه لا بمهر المثل لأنها رضيت ذلك مهرا لها‏.‏

فصل‏:‏

ولو صالحه عن القصاص بحر يعلمان حريته أو عبد يعلمان أنه مستحق أو تصالحا بذلك عن غير القصاص‏,‏ رجع بالدية وبما صالح عنه لأن الصلح ها هنا باطل يعلمان بطلانه فكان وجوده كعدمه‏.‏

فصل‏:‏

إذا صالح رجلا على موضع قناة من أرضه يجري فيها ماء بينا موضعها وعرضها وطولها‏,‏ جاز لأن ذلك بيع لموضع من أرضه ولا حاجة إلى بيان عمقه لأنه إذا ملك الموضع كان له إلى تخومه فله أن يترك فيه ما شاء وإن صالحه على إجراء الماء في ساقية من أرض رب الأرض‏,‏ مع بقاء ملكه عليها فهذا إجارة للأرض فيشترط تقدير المدة لأن هذا شأن الإجارة فإن كانت الأرض في يد رجل بإجارة‏,‏ جاز له أن يصالح رجلا على إجراء الماء فيها في ساقية محفورة مدة لا تجاوز مدة إجارته وإن لم تكن الساقية محفورة لم يجز أن يصالحه على ذلك لأنه لا يجوز إحداث ساقية في أرض في يده بإجارة فأما إن كانت الأرض في يده وقفا عليه فقال القاضي‏:‏ هو كالمستأجر له أن يصالح إجراء الماء في ساقية محفورة في مدة معلومة‏,‏ وليس له أن يحفر فيها ساقية لأنه لا يملكها إنما يستوفي منفعتها كالأرض المستأجرة سواء وهذا كله مذهب الشافعي والأولى أنه يجوز له حفر الساقية لأن الأرض له‏,‏ وله التصرف فيها كيفما شاء ما لم ينقل الملك فيها إلى غيره بخلاف المستأجر‏,‏ فإنه إنما يتصرف فيها بما أذن له فيه فكان الموقوف عليه بمنزلة المستأجر إذا أذن له في الحفر فإن مات الموقوف عليه في أثناء المدة‏,‏ فهل لمن انتقل إليه فسخ الصلح فيما بقي من المدة‏؟‏ على وجهين بناء على ما إذا آجره مدة فمات في أثنائها فإن قلنا‏:‏ له فسخ الصلح ففسخه‏,‏ رجع المصالح على ورثة الذي صالحه بقسط ما بقي من المدة وإن قلنا‏:‏ ليس له الفسخ رجع من انتقل إليه الوقف على الورثة‏.‏

فصل‏:‏

وإن صالح رجلا على إجراء ماء سطحه من المطر على سطحه أو في أرضه عن سطحه أو في أرضه عن أرضه جاز‏,‏ إذا كان ما يجري ماء معلوما إما بالمشاهدة وإما بمعرفة المساحة لأن الماء يختلف بصغر السطح وكبره ولا يمكن ضبطه بغير ذلك ويشترط معرفة الموضع الذي يجري منه الماء إلى السطح لأن ذلك يختلف ولا يفتقر إلى ذكر مدة لأن الحاجة تدعو إلى هذا‏,‏ ويجوز العقد على المنفعة في موضع الحاجة غير مقدر كما في النكاح ولا يملك صاحب الماء مجراه لأن هذا لا يستوفي به منافع المجرى دائمًا‏,‏ ولا في أكثر المدة بخلاف الساقية ويختلفان أيضا في أن الماء الذي في الساقية لا يحتاج إلى ما يقدر به لأن تقدير ذلك حصل بتقدير الساقية‏,‏ فإنه لا يملك أن يجري فيها أكثر من مائها والماء الذي على السطح يحتاج إلى معرفة مقدار السطح لأنه يجري منه القليل والكثير وإن كان السطح الذي يجري عليه الماء مستأجرا أو عارية مع إنسان‏,‏ لم يجز أن يصالح على إجراء الماء عليه لأنه يتضرر بذلك ولم يؤذن له فيه فلم يكن له أن يتصرف به بخلاف الماء في الساقية المحفورة‏,‏ فإن الأرض لا تتضرر به وإن كان ماء السطح يجري على أرض احتمل أن لا يجوز له الصلح على ذلك لأنه إن احتاج إلى حفر لم يجز له أن يحفر أرض غيره ولأنه يجعل لغير صاحب الأرض رسما‏,‏ فربما ادعى استحقاق ذلك على صاحبها واحتمل الجواز إذا لم يحتج إلى حفر ولم تكن فيه مضرة لأنه بمنزلة إجراء الماء في ساقية محفورة ولا يجوز إلا مدة لا تزيد على مدة إجارته‏,‏ كما قلنا في إجراء الماء في الساقية والله أعلم‏.‏